شكيب أرسلان

308

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

وأنّهم قد يشنون الغارات على البلاد لأجل حيازة هذه المعادن ، هو ظنّ لعمري بغير محله . فإنّ الإفرنج يعرفون مواقع هذه المعادن - ويعلمون ما فيها ، إن لم يكن تفصيلا فإجمالا - وعندهم علم آخر من طبقات الأرض ، يجعلهم عارفين بما يحتوي من المعدن والفلز كلّ نوع من هذه الطبقات ، فإن كانوا لم يشنّوا الغارات إلى اليوم على الجزيرة فليس لجهلهم بما في بطنها من الكنوز والخيرات ، بل لأنّ الأمور مرهونة بأوقاتها ، والاستيلاء على جزيرة العرب أو على بعض أقسام من جزيرة العرب ليس بالأمر السهل ، بل دونه عقبات من وعورة الجبال ، وحرارة الرّمال ، وشجاعة الرجال ، فضلا عما بين الدول من التنافس الذي يحمل بعضهنّ على الوقوف بالمرصاد لبعض ، مما يخشى منه وقوع الحرب بينهن . وعلى كلّ حال فالجزيرة إلى الآن سالمة من استيلاء الأجنبي إلا بعض أطراف لا بال لها . فليس من الحكمة ، ولا من الحزم ، أن نضيّع على أنفسنا ثروة ، نحن في أشد الاحتياج إليها تحت ملاحظات ليست صحيحة ، وأسباب غير واردة . ومما يدلّنا على كون هذه المعادن معروفة عند الإفرنج رسالة بالألمانية أطلعني عليها مؤخّرا مؤلفها المستشرق الألماني الشهير الأستاذ موريتز واسمها « المعادن في العربية القديمة » die Bergwerke ) ( in altenarabien جاء فيها ما ملخصه : يظنّ النّاس إجمالا أنّ جزيرة العرب هي من أفقر بلاد الدنيا ، وحقيقة الحال أنّها ليست كذلك ، بل إذا نظرنا إلى ما كانت عليه في القرون الوسطى نجدها كانت ذات ثروة تضرب بها الأمثال ، وكانت تلك الثروة آتية من منبعين : أحدهما : كون الجزيرة طريق التجارة بين الشرق والبحر المتوسط .